وحي العرب
08-11-2005, 06:04 PM
لا شك أن الأمير عبد الله بن عبد العزيز (82 عاماً) الذي أعلن رسميا عن مبايعته ملكا للسعودية خلفا للملك الراحل فهد بن عبد العزيز يمتلك مؤهلات شخصية وخبرات عملية تؤهله لقيادة دفة الحكم في المملكة العربية السعودية، فقد نشأ في كنف والده الملك عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية الثالثة، وقد استطاع الإفادة من تجاربه في مجالات الحكم والسياسة والإدارة والقيادة، فضلاً عن تأثره بالعلماء والمفكرين والمشايخ الذين أفاد منهم وتبادل معهم الآراء والمشورة.
وعلى الصعيد العملي فقد اكتسب الأمير عبد الله خبرات متنوعة في حياته، حيث تم اختياره في عام 1964 رئيساً للحرس الوطني الذي أثبت كفاءة نادرة في تطوير تلك المؤسسة بحيث أصبحت مؤسسة عسكرية، ثقافية، اجتماعية، نظراً لما تضمه من مدارس عسكرية ومجمعات سكنية وطبية، وفي عام 1975 أصدر الملك خالد بن عبد العزيز أمراً ملكياً سامياً بتعيين الأمير عبد الله نائباً لرئيس مجلس الوزراء، إضافة إلى منصبه رئيساً للحرس الوطني، ويمكن القول إن الأمير عبد الله قد اكتسب خبرة ممتدة منذ عام 1995 وحتى الآن، حيث يقوم بمهام الحاكم الفعلي للبلاد نظراً لمرض الملك فهد.
ومع التسليم بالمؤهلات الشخصية والخبرة العلمية التي يمتلكها الأمير عبد الله فإن هناك عقبتين رئيسيتين لا بد من التغلب عليهما حتى يتسنى له حكم المملكة بعيداً عن أي قلاقل:
- أولها: وضعه كأخ غير شقيق للملك يتطلب دعم الأعضاء الأقوياء في الأسرة أو ما يطلق عليهم "السديريين السبعة" وهم الإخوة الأشقاء للملك فهد (سلطان، سلمان، عبد الرحمن، نايف، تركي، أحمد)، وبخاصة أن منهم من يشغل مناصب مهمة في الدولة، فالأمير سلطان هو وزير الدفاع والنائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، أما الأمير نايف فهو وزير الداخلية.
- ثانيها: ما يتردد بشأن إمكانية حدوث انقسامات داخل الأسرة الحاكمة، حيث إن هناك اختلافا في وجهات النظر حول بعض القضايا، ففي الوقت الذي يدعو فيه الأمير عبد الله لعملية إصلاح تدريجية وإن كانت لا تخلو من وتيرة سريعة نسبيا، نجد أن الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية أشد حذراً من تسارع وتيرة الإصلاحات التي يرى أنها قد تؤدي إلى تفكك المملكة على غرار ما حدث بالنسبة للاتحاد السوفيتي السابق
تحديات الداخل والخارج
مما لا شك فيه أن الأمير عبد الله بعد ارتقائه لعرش المملكة سيواجه العديد من التحديات داخلياً وخارجياً التي تتطلب حنكة سياسية في مواجهتها، وذلك بالنظر إلى دور المملكة إقليمياً وعالمياً.
فعلى الصعيد الداخلي:
ثمة تحديات عديدة على الصعيد الداخلي تحتاج إلى رؤية شاملة لمواجهتها ومن ذلك ثلاثة تحديات:
1- الأوضاع الاقتصادية وتحدي البطالة:
على الرغم من أن المملكة العربية السعودية تمتلك احتياطياً من النفط يجعلها في مركز الريادة إلى جانب الدول المصدرة له في العالم إذ يبلغ أكثر من 60% من الاحتياطي العالمي، فإنها تعاني من مشكلات اقتصادية عديدة لعل أهمها على الإطلاق مشكلة البطالة، فوفقاً لاستطلاع رأي أجري في المملكة في عام 2003 أكد 79% من أفراد العينة التي شملت مناطق المملكة الثلاثة عشر على أن البطالة هي التحدي الأهم، في حين لم تتجاوز القضايا الأخرى (الفساد، التعليم، الإصلاح السياسي، التطرف الديني) حد العشرة بالمائة، ولعل هذه النسبة لها ما يبررها إذا علمنا أن معدلات البطالة في المملكة العربية السعودية وصلت 11.93% بين السعوديين الذكور عام 2002، وحوالي 30% بين الشباب. وسوف تتفاقم المشكلة مستقبلاً في ظل ما تشير إليه الإحصاءات من أن القوى العاملة في السعودية سوف تتزايد من 3,3 ملايين شخص عام 2000 إلى 8,3 ملايين عامل عام 2020، في الوقت الذي تراجع فيه دخل الفرد السعودي إلى 8424 دولاراً عام 2002 بعدما بلغ 18000 دولار عام 1981 على الرغم من العوائد النفطية المرتفعة، والجدير بالذكر أن تقرير صندوق النقد الدولي الذي صدر خلال هذا العام بعنوان "الآفاق المستقبلية للاقتصاد السعودي" قد حذر من مشكلة تزايد البطالة في البلاد، مطالباً بضرورة تسريع القطاعات الاقتصادية غير النفطية، وتعزيز الإصلاحات الهيكلية لدعم تنافسية القطاع الخاص والتسريع بعملية تنويع القاعدة الاقتصادية، والعمل على تقليل مخاطر تقلبات أسعار النفط.
ولاشك أن الحكومة السعودية تدرك مدى خطورة هذه الظاهرة حيث اتخذت قراراً في مطلع عام 2005 بإجراء حصر شامل لظاهرة البطالة داخل المملكة حتى يتسنى لها وضع الخطط اللازمة لمعالجتها، ولا شك أن تلك الظاهرة تتطلب حلولاً سريعة بالنظر إلى المشكلات الأمنية التي تواجهها المملكة، وعادة ما يكون المتهمون فيها من الشباب صغير السن بلا عمل، وعلى الصعيد ذاته هناك مبادرة ولي العهد التي أطلقها في نوفمبر 2003 لمكافحة الفقر؛ حيث قام بزيارة الأحياء الشعبية في الرياض، وأسس على أثرها صندوق مكافحة الفقر الذي يستهدف تحسين أوضاعهم المعيشية، فضلاً عن تحدي تنويع مصادر الدخل، وتقلب أسعار النفط في الأسواق العالمية، وأثر ذلك على الموازنات السعودية وخططتها التنموية.
2- تحدي الإصلاح:
لا شك أن تحدي الإصلاح يعد من أهم التحديات التي سيواجهها الأمير عبد الله بن عبد العزيز، حيث يعد من أبرز المؤيدين لحركة الإصلاح؛ فقد استقبل وفود الإصلاحيين وعرائضهم، مؤكدًا أنه يؤيد كل ما ورد فيها، وبالتالي فإن أي تراجع عن هذا الوعد سيعد انتكاسة خطيرة، والجدير بالذكر أن المملكة قد بدأت مسيرة ممتدة من الإصلاحات السياسية منذ التسعينيات وحتى الآن، فصدر النظام الأساسي للحكم ونظام مجلس الشورى ونظام المناطق، بيد أن هذه الإصلاحات تسارعت وتيرتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتمثلت في مظاهر عديدة منها فكرة الحوارات الوطنية التي اتخذت بعداً مؤسسياً بإنشاء مركز الملك فهد للحوار الوطني، فضلاً عن بروز الاهتمام بقضية حقوق الإنسان من خلال إنشاء اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى إنشاء هيئة للصحافيين للمرة الأولى في تاريخ المملكة، فضلاً عن الانتخابات البلدية بمراحلها المختلفة، وتعديل المادتين 17 و23 من نظام مجلس الشورى السعودي بما يتيح له سلطات تشريعية حقيقية، بالإضافة إلى ما أثير بشأن مناقشة أحقية المرأة في قيادة السيارة بالمملكة.. وتعكس الإجراءات السابقة حقيقة مفادها أن المملكة التي ظلت لفترة طويلة من الزمن نظاماً مغلقاً على ذاته قد بدأت تتفاعل مع المتغيرات الداخلية والخارجية من خلال مسيرة إصلاحية شاملة لكافة مناحي الحياة، وهو ما اعتبرته 85% من العينة المشار إليها في الاستفتاء فائدة للبلاد، كما رأى 90% من أفراد العينة ضرورة منح النساء المزيد من الحقوق، و63% صوت لصالح السماح للنساء بقيادة السيارة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن النساء يشكلن 58% من خريجي الجامعات السعودية فإنهن لا يسهمن سوى بـ5% من القوى العاملة، ولم يكن نظام التعليم السعودي ببعيد عن جهود المملكة الإصلاحية، ففي سبتمبر 2002 قال وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل "إن نسبة 10% مما وجدناه في كتب التعليم المدرسية قابل للشك، وأن 5% منه كان في الحقيقة غير مقبول لدينا؛ لذلك اتخذنا قرارًا لتغيير ذلك وقد غيرناه"، وفي يناير 2003 أكد وزير التعليم السعودي محمد الرشيد خلال مناقشة مع مجلس الشورى السعودي بأن الكتب المدرسية الوطنية تحوي "عدة نواقص"، وأن الوزارة تقوم بعدة جهود لمعالجة وإلغاء هذه "النواقص"، وفي الثالث والعشرين من ديسمبر 2003 أقرت دول مجلس التعاون الخليجي الست ومن بينها المملكة العربية السعودية وجود بعض الأجزاء التي تتعلق بازدراء الأديان الأخرى والتعصب والتشدد في المناهج الدراسية.
وامتد الإصلاح في المملكة ليشمل عددًا من مناحي الحياة السياسية، حيث وضعت المملكة إستراتيجية متكاملة لمكافحة الفساد تتضمن قيام الأجهزة الحكومية بالمراجعة الدورية للأنظمة المتعلقة بالمكافحة وتطوير البنية الإدارية والأنظمة الرقابية، ومع التسليم بما حققته المملكة من إنجازات في مجال الإصلاح فإن ثمة معوقات يواجهها الحكم السعودي خلال مسيرته الإصلاحية، أولها: تدهور الوضع الأمني، فعلى الرغم من أن الحكومة السعودية قد انتهجت خيار القبضة الحديدية في مواجهة المتطرفين؛ مما أدى إلى مقتل الكثير من هؤلاء المتشددين ومنهم قائد تنظيم القاعدة في منطقة الخليج، بالإضافة إلى مصادرة أسلحة وذخائر عديدة، إلا أن الاقتصار على الحل الأمني وحده أمر غير كاف لمواجهة تلك التيارات، حيث يمكن أن تنشط الحركات السرية وتتعمق ثقافة التطرف، ومن ثم فإن المواجهة الفكرية أمر مهم، وهي المعضلة التي تواجهها المملكة أيضًا حيث تتعدد الفتاوى وتتناقض.
وما بين الإصلاح ومتطلبات توفير الأمن والاستقرار تُثار معضلة "التوفيق بين الأمن والديمقراطية"؛ إذ كيف يمكن تحقيق إصلاحات سياسية ملموسة في ظل التحديات الأمنية، وهذا يتطلب من الأمير عبد الله المزاوجة بين الإجراءات الأمنية من جانب والإصلاح السياسي والاجتماعي والمؤسساتي من جانب آخر.
وثانيهما: شمولية الإصلاحات.. بمعنى أن تمتد لتشمل أوضاع الاقتصاد .. فضلاً عن وضع الضمانات لحرية الرأي والتعبير.. فلابد من معالجة التناقض بين القول والنقل.. ففي الوقت الذي تتسارع وتيرة الإصلاحات نلاحظ معاقبة بعض الكتاب الذين يقومون بالإدلاء بتصريحات لقناة الجزيرة دون تصريح مسبق، فضلاً عن ضرورة أن يشمل الحوار الوطني كافة شرائح المجتمع دون استثناء أو إقصاء لما لذلك من مخاطر قد تحيط بعملية الإصلاح ذاتها، وليس أدل على ذلك من المظاهرات التي شهدتها المملكة للمرة الأولى في تاريخها في أكتوبر 2003 حيث خرج مئات المتظاهرين في مدينة الرياض مطالبين "بالإصلاح السياسي"؛ ومن ثم فإن الإصلاحات في المملكة لابد أن تأخذ في اعتبارها التعددية الثقافية وزيادة التسامح الديني والمزيد من إشراك الشيعة والصوفية في فعاليات الحوار الوطني والسماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية.
وأخيرًا لابد للحكومة السعودية أن تستهدف زيادة مشاركة المواطنين في الشأن العام، وتفعيل المؤسسات السياسية ومنها مجلس الشورى، فضلاً عن السماح بتشكيل مؤسسات واتحادات أهلية مما يعني تفعيل مفهوم المجتمع المدني الذي يعد الآلية المهمة لقيادة عملية الإصلاحات وبلورة المصالح الوطنية الحقيقية بعيدًا عن المطالبات الفئوية والجهوية، التي لا تجمعها قواسم مشتركة أحيانًا.
وعلى الصعيد العملي فقد اكتسب الأمير عبد الله خبرات متنوعة في حياته، حيث تم اختياره في عام 1964 رئيساً للحرس الوطني الذي أثبت كفاءة نادرة في تطوير تلك المؤسسة بحيث أصبحت مؤسسة عسكرية، ثقافية، اجتماعية، نظراً لما تضمه من مدارس عسكرية ومجمعات سكنية وطبية، وفي عام 1975 أصدر الملك خالد بن عبد العزيز أمراً ملكياً سامياً بتعيين الأمير عبد الله نائباً لرئيس مجلس الوزراء، إضافة إلى منصبه رئيساً للحرس الوطني، ويمكن القول إن الأمير عبد الله قد اكتسب خبرة ممتدة منذ عام 1995 وحتى الآن، حيث يقوم بمهام الحاكم الفعلي للبلاد نظراً لمرض الملك فهد.
ومع التسليم بالمؤهلات الشخصية والخبرة العلمية التي يمتلكها الأمير عبد الله فإن هناك عقبتين رئيسيتين لا بد من التغلب عليهما حتى يتسنى له حكم المملكة بعيداً عن أي قلاقل:
- أولها: وضعه كأخ غير شقيق للملك يتطلب دعم الأعضاء الأقوياء في الأسرة أو ما يطلق عليهم "السديريين السبعة" وهم الإخوة الأشقاء للملك فهد (سلطان، سلمان، عبد الرحمن، نايف، تركي، أحمد)، وبخاصة أن منهم من يشغل مناصب مهمة في الدولة، فالأمير سلطان هو وزير الدفاع والنائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، أما الأمير نايف فهو وزير الداخلية.
- ثانيها: ما يتردد بشأن إمكانية حدوث انقسامات داخل الأسرة الحاكمة، حيث إن هناك اختلافا في وجهات النظر حول بعض القضايا، ففي الوقت الذي يدعو فيه الأمير عبد الله لعملية إصلاح تدريجية وإن كانت لا تخلو من وتيرة سريعة نسبيا، نجد أن الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية أشد حذراً من تسارع وتيرة الإصلاحات التي يرى أنها قد تؤدي إلى تفكك المملكة على غرار ما حدث بالنسبة للاتحاد السوفيتي السابق
تحديات الداخل والخارج
مما لا شك فيه أن الأمير عبد الله بعد ارتقائه لعرش المملكة سيواجه العديد من التحديات داخلياً وخارجياً التي تتطلب حنكة سياسية في مواجهتها، وذلك بالنظر إلى دور المملكة إقليمياً وعالمياً.
فعلى الصعيد الداخلي:
ثمة تحديات عديدة على الصعيد الداخلي تحتاج إلى رؤية شاملة لمواجهتها ومن ذلك ثلاثة تحديات:
1- الأوضاع الاقتصادية وتحدي البطالة:
على الرغم من أن المملكة العربية السعودية تمتلك احتياطياً من النفط يجعلها في مركز الريادة إلى جانب الدول المصدرة له في العالم إذ يبلغ أكثر من 60% من الاحتياطي العالمي، فإنها تعاني من مشكلات اقتصادية عديدة لعل أهمها على الإطلاق مشكلة البطالة، فوفقاً لاستطلاع رأي أجري في المملكة في عام 2003 أكد 79% من أفراد العينة التي شملت مناطق المملكة الثلاثة عشر على أن البطالة هي التحدي الأهم، في حين لم تتجاوز القضايا الأخرى (الفساد، التعليم، الإصلاح السياسي، التطرف الديني) حد العشرة بالمائة، ولعل هذه النسبة لها ما يبررها إذا علمنا أن معدلات البطالة في المملكة العربية السعودية وصلت 11.93% بين السعوديين الذكور عام 2002، وحوالي 30% بين الشباب. وسوف تتفاقم المشكلة مستقبلاً في ظل ما تشير إليه الإحصاءات من أن القوى العاملة في السعودية سوف تتزايد من 3,3 ملايين شخص عام 2000 إلى 8,3 ملايين عامل عام 2020، في الوقت الذي تراجع فيه دخل الفرد السعودي إلى 8424 دولاراً عام 2002 بعدما بلغ 18000 دولار عام 1981 على الرغم من العوائد النفطية المرتفعة، والجدير بالذكر أن تقرير صندوق النقد الدولي الذي صدر خلال هذا العام بعنوان "الآفاق المستقبلية للاقتصاد السعودي" قد حذر من مشكلة تزايد البطالة في البلاد، مطالباً بضرورة تسريع القطاعات الاقتصادية غير النفطية، وتعزيز الإصلاحات الهيكلية لدعم تنافسية القطاع الخاص والتسريع بعملية تنويع القاعدة الاقتصادية، والعمل على تقليل مخاطر تقلبات أسعار النفط.
ولاشك أن الحكومة السعودية تدرك مدى خطورة هذه الظاهرة حيث اتخذت قراراً في مطلع عام 2005 بإجراء حصر شامل لظاهرة البطالة داخل المملكة حتى يتسنى لها وضع الخطط اللازمة لمعالجتها، ولا شك أن تلك الظاهرة تتطلب حلولاً سريعة بالنظر إلى المشكلات الأمنية التي تواجهها المملكة، وعادة ما يكون المتهمون فيها من الشباب صغير السن بلا عمل، وعلى الصعيد ذاته هناك مبادرة ولي العهد التي أطلقها في نوفمبر 2003 لمكافحة الفقر؛ حيث قام بزيارة الأحياء الشعبية في الرياض، وأسس على أثرها صندوق مكافحة الفقر الذي يستهدف تحسين أوضاعهم المعيشية، فضلاً عن تحدي تنويع مصادر الدخل، وتقلب أسعار النفط في الأسواق العالمية، وأثر ذلك على الموازنات السعودية وخططتها التنموية.
2- تحدي الإصلاح:
لا شك أن تحدي الإصلاح يعد من أهم التحديات التي سيواجهها الأمير عبد الله بن عبد العزيز، حيث يعد من أبرز المؤيدين لحركة الإصلاح؛ فقد استقبل وفود الإصلاحيين وعرائضهم، مؤكدًا أنه يؤيد كل ما ورد فيها، وبالتالي فإن أي تراجع عن هذا الوعد سيعد انتكاسة خطيرة، والجدير بالذكر أن المملكة قد بدأت مسيرة ممتدة من الإصلاحات السياسية منذ التسعينيات وحتى الآن، فصدر النظام الأساسي للحكم ونظام مجلس الشورى ونظام المناطق، بيد أن هذه الإصلاحات تسارعت وتيرتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتمثلت في مظاهر عديدة منها فكرة الحوارات الوطنية التي اتخذت بعداً مؤسسياً بإنشاء مركز الملك فهد للحوار الوطني، فضلاً عن بروز الاهتمام بقضية حقوق الإنسان من خلال إنشاء اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى إنشاء هيئة للصحافيين للمرة الأولى في تاريخ المملكة، فضلاً عن الانتخابات البلدية بمراحلها المختلفة، وتعديل المادتين 17 و23 من نظام مجلس الشورى السعودي بما يتيح له سلطات تشريعية حقيقية، بالإضافة إلى ما أثير بشأن مناقشة أحقية المرأة في قيادة السيارة بالمملكة.. وتعكس الإجراءات السابقة حقيقة مفادها أن المملكة التي ظلت لفترة طويلة من الزمن نظاماً مغلقاً على ذاته قد بدأت تتفاعل مع المتغيرات الداخلية والخارجية من خلال مسيرة إصلاحية شاملة لكافة مناحي الحياة، وهو ما اعتبرته 85% من العينة المشار إليها في الاستفتاء فائدة للبلاد، كما رأى 90% من أفراد العينة ضرورة منح النساء المزيد من الحقوق، و63% صوت لصالح السماح للنساء بقيادة السيارة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن النساء يشكلن 58% من خريجي الجامعات السعودية فإنهن لا يسهمن سوى بـ5% من القوى العاملة، ولم يكن نظام التعليم السعودي ببعيد عن جهود المملكة الإصلاحية، ففي سبتمبر 2002 قال وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل "إن نسبة 10% مما وجدناه في كتب التعليم المدرسية قابل للشك، وأن 5% منه كان في الحقيقة غير مقبول لدينا؛ لذلك اتخذنا قرارًا لتغيير ذلك وقد غيرناه"، وفي يناير 2003 أكد وزير التعليم السعودي محمد الرشيد خلال مناقشة مع مجلس الشورى السعودي بأن الكتب المدرسية الوطنية تحوي "عدة نواقص"، وأن الوزارة تقوم بعدة جهود لمعالجة وإلغاء هذه "النواقص"، وفي الثالث والعشرين من ديسمبر 2003 أقرت دول مجلس التعاون الخليجي الست ومن بينها المملكة العربية السعودية وجود بعض الأجزاء التي تتعلق بازدراء الأديان الأخرى والتعصب والتشدد في المناهج الدراسية.
وامتد الإصلاح في المملكة ليشمل عددًا من مناحي الحياة السياسية، حيث وضعت المملكة إستراتيجية متكاملة لمكافحة الفساد تتضمن قيام الأجهزة الحكومية بالمراجعة الدورية للأنظمة المتعلقة بالمكافحة وتطوير البنية الإدارية والأنظمة الرقابية، ومع التسليم بما حققته المملكة من إنجازات في مجال الإصلاح فإن ثمة معوقات يواجهها الحكم السعودي خلال مسيرته الإصلاحية، أولها: تدهور الوضع الأمني، فعلى الرغم من أن الحكومة السعودية قد انتهجت خيار القبضة الحديدية في مواجهة المتطرفين؛ مما أدى إلى مقتل الكثير من هؤلاء المتشددين ومنهم قائد تنظيم القاعدة في منطقة الخليج، بالإضافة إلى مصادرة أسلحة وذخائر عديدة، إلا أن الاقتصار على الحل الأمني وحده أمر غير كاف لمواجهة تلك التيارات، حيث يمكن أن تنشط الحركات السرية وتتعمق ثقافة التطرف، ومن ثم فإن المواجهة الفكرية أمر مهم، وهي المعضلة التي تواجهها المملكة أيضًا حيث تتعدد الفتاوى وتتناقض.
وما بين الإصلاح ومتطلبات توفير الأمن والاستقرار تُثار معضلة "التوفيق بين الأمن والديمقراطية"؛ إذ كيف يمكن تحقيق إصلاحات سياسية ملموسة في ظل التحديات الأمنية، وهذا يتطلب من الأمير عبد الله المزاوجة بين الإجراءات الأمنية من جانب والإصلاح السياسي والاجتماعي والمؤسساتي من جانب آخر.
وثانيهما: شمولية الإصلاحات.. بمعنى أن تمتد لتشمل أوضاع الاقتصاد .. فضلاً عن وضع الضمانات لحرية الرأي والتعبير.. فلابد من معالجة التناقض بين القول والنقل.. ففي الوقت الذي تتسارع وتيرة الإصلاحات نلاحظ معاقبة بعض الكتاب الذين يقومون بالإدلاء بتصريحات لقناة الجزيرة دون تصريح مسبق، فضلاً عن ضرورة أن يشمل الحوار الوطني كافة شرائح المجتمع دون استثناء أو إقصاء لما لذلك من مخاطر قد تحيط بعملية الإصلاح ذاتها، وليس أدل على ذلك من المظاهرات التي شهدتها المملكة للمرة الأولى في تاريخها في أكتوبر 2003 حيث خرج مئات المتظاهرين في مدينة الرياض مطالبين "بالإصلاح السياسي"؛ ومن ثم فإن الإصلاحات في المملكة لابد أن تأخذ في اعتبارها التعددية الثقافية وزيادة التسامح الديني والمزيد من إشراك الشيعة والصوفية في فعاليات الحوار الوطني والسماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية.
وأخيرًا لابد للحكومة السعودية أن تستهدف زيادة مشاركة المواطنين في الشأن العام، وتفعيل المؤسسات السياسية ومنها مجلس الشورى، فضلاً عن السماح بتشكيل مؤسسات واتحادات أهلية مما يعني تفعيل مفهوم المجتمع المدني الذي يعد الآلية المهمة لقيادة عملية الإصلاحات وبلورة المصالح الوطنية الحقيقية بعيدًا عن المطالبات الفئوية والجهوية، التي لا تجمعها قواسم مشتركة أحيانًا.